أحمد بن سهل البلخي
409
مصالح الأبدان والأنفس
ويكون أقدر على هضمه . وأمّا أصناف الحلوى فإنّها كثيرة الغذاء ، وهي تقمع الشهوة ؛ لقوّتها ودسومتها ، ولا تهضمها إلا الطبيعة القويّة الصحيحة ، فأمّا إذا حدثت علّة تشغل الطبيعة فإنّها تعجز عن مقاومتها ، ولذلك تنصرف « 1 » شهوات الأعلاء عن تناول الشيء الحلو ، وتميل إلى الحامض والمالح وما لا يكثر غذاؤه ولا يثقل على الطبيعة ؛ ولذلك يجب أن يرتّب الحلواء في آخر الطعام ، ليتناول منه لميل الشهوة إليها ، فقد قلنا في الباب الأوّل : إنّ الحلاوة طعم محبّب « 2 » إلى طبيعة الأصحّاء ، فلميل الشهوة إليها يتهيّأ للإنسان الأخذ من الحلواء بعد تناوله من سائر الألوان ، ثمّ تكون نهاية الشهوة ؛ لأنّها تنقطع عندها ، ولا يبقى مزيد وراءها ، ولذلك جرت العادة بختم / ألوان الطعام بها ، فإنّها لو جعلت مقدّمة عليها ، لاشتغلت القوّة الهاضمة بها وقهرتها ، فلم تشته شيئا منها من الألوان . ولهذا المعنى وجب أيضا أن يقدّم الشواء بعد الثّرائد « 3 » والقلايا والطباهجات ؛ لأنّه أقوى الطعام ، إذ هو اللحم البحت الذي لم تشبه رطوبة ، وإذا وقع « 4 » في المعدة ، وتعلّقت القوّة الهاضمة به قهرها واقتصرت عليه ؛ لأنّ اللّحم أشهى أصناف الغذاء ، فلا يتّسع بعد الأخذ من الشواء للاستكثار ممّا سواه ؛ لأنّه متى جعل الابتداء بالأقوى الأشهى أغنى عمّا سواه . فأمّا ترتيب الفواكه مع غيرها من أصناف الطعام ، فإنّ التدبير الفاضل في ذلك أن يبدأ أصحاب المعدة الحارّة اليابسة بالفاكهة قبل الطعام ؛ لأنّ سبيلها
--> ( 1 ) في أو ب : تتصرّف . والصواب ما أثبت . ( 2 ) في أ : محبّ . ( 3 ) ثردت الخبز أثرده ، وهو أن تفتّه ، ثم تبله بمرق ، وتشرّفه وسط الصحفة ، وتجعل له وقبة ، وهو الثريد ، والثريدة ، والثّردة . وهنّ : الثّرد والثّرد والثّرائد ( أساس البلاغة ث ر د 44 ) . ( 4 ) في أ ، ب : وقعت . والصواب ما أثبت .